غدر الحياة: هل أحسنت مريام فارس التعبير عن أزمة لبنان؟ أم كشفت أزمة في نتلفيكس؟ | حاتم منصور

غدر الحياة: هل أحسنت مريام فارس التعبير عن أزمة لبنان؟ أم كشفت أزمة في نتلفيكس؟ | حاتم منصور

14 Jul 2021
حاتم منصور
سينما عربية
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

أسباب عديدة جعلت فيلم الرحلة – غدارة يا دنيا الذي أخرجته الفنانة اللبنانية ميريام فارس وروجت له منصة نتفلكس باعتباره وثائقيا على طريقة تليفزيون الواقع، عن تجربة الفنانة مع الحمل والحجر الصحي خلال أزمة فيروس كورونا، موضع اهتمام وانتقادات بمجرد عرضه.

على رأس أسباب الاهتمام اسم المنصة، التي لا تزال تخطو خطواتها الأولى انتاجيا في عالمنا العربي، بعد سنوات من تصدرها عالم المنصات عالميا، ومزاحمتها لأكبر شركات الإنتاج في هوليوود بمحتوى حصري من انتاجها.

قاعات السينما أم المشاهدة المنزلية؟ 5 فروق رئيسية قد تحدد مستقبل قاعات العرض | حاتم منصور

وعلى رأس الانتقادات، تصنيف الفيلم كعمل ساذج يتعامل مع كارثة الوباء، ومع معاناة المرأة العربية عامة واللبنانية خاصة خلالها، بقدر من السطحية.

وبالطبع هاجم كثيرون اختيار ميريام فارس مبدئيا، من منطلق أنها نموذج ثري ومرفه، لا يُعبر بأى بدرجة عن أحوال ومعاناة أغلبية النساء.

والسؤال الرئيسي: بماذا تخبرنا التجربة ككل وردود الفعل عن (الفيلم نفسه – ميريام فارس كفنانة – متاعب الحمل – تأثير عام الوباء والحظر على المرأة العربية – توجهات نتفلكس – مزاج الجمهور العربي)؟

View this post on Instagram

A post shared by Myriam Fares (@myriamfares)

لعل أهم شىء كان يجب أن يكسره الفيلم، هو تهمة أن أمثال ميريام فارس أثرياء، لا يجب التعامل مع حياتهم باهتمام، أو التركيز عليها في عمل فني.

هذه تهمة تتجاهل حقيقة أن الثراء لا يعني إفلاتا تام لصاحبته من ضريبة الحمل نفسيا وعصبيا، وتُهمش وتُقصي شريحة نساء من نقاشات وقضايا يجب أن تشمل الجميع.

تزداد غرابة هذه التهمة عندما تأتي على لسان نسويات، يتحدثن دوما عن ضرورة مراعاة الجوانب الصحية للمرأة فترة الحمل.

نظرة جريئة وصادمة للأمومة والإنجاب في Tully

التهمة تتجاهل أيضا أن الأثرياء والمشاهير بشر تحمل تفاصيل حياتهم المختلفة عن أغلبنا ما يمكن أن يشتبك مع حياتنا، سواء كان موضع الاشتباك هو التناقض في حد ذاته، الذي نجده هنا مثلا في بطلة غير مضطرة للخروج للعمل وكسب الرزق خلال أزمة الوباء بسبب ثرائها، على عكس الغالبية.

أو في خيط ما مشترك بينها وبين باقي النساء، ومتوفر في الفيلم بالفعل نظريا في نقاط أهمها (آلام واكتئاب التعرض لإجهاض – القلق مع تجربة الحمل التالية بعده – الخوف من عدوى الكورونا ومضاعفاتها).

ميريام فارس في بوستر فيلم الرحلة

وبالطبع تمثل التهمة نفسها ربما التفسير الرئيسي لرواج هذا النوع من الأفلام والبرامج عن حياة المشاهير عالميا، وهو رغبة الجمهور في التلصص على أدق تفاصيل حياتهم.

للأسف فشل الفيلم في كسر هذه التهمة، وأصبح هو نفسه برهانا عمليا سيساهم في تثبيتها على المشاهير والنجوم العرب.

والسبب الرئيسي في ذلك أن ميريام فارس لا تملك الحس الاخراجي والفني، اللازم لصياغة الأحداث بشكل صادق يلامس المتفرج. ولا الموهبة التمثيلية الكافية لخداعنا بمقاطع يُفترض أنها مؤثرة، لكنها أصبحت معها مجرد معاناة مزعومة وكوميدية أحيانا.

أثرياء الترفيه | ذا روك أعلى الممثلين أجرًا.. لكن كايلي جينر تتفوق بـ نصف مليار | إنفوجرافيك في دقائق

في أحد هذه المقاطع مثلا نشاهد التتابع الآتي:
1- البطلة تتذكر تجربتها ورعبها وقت انفجار بيروت.
2- البطلة تتحدث وهى تبكي عن معاناة اللبنانيين بسبب الانفجار، وعن فساد وتواطؤ السلطات التي أوصلت لبنان لهذا الوضع.
3- البطلة تمارس الرياضة والرقص، وهى تتحدث عن أهمية ممارستهما يوميا، باعتبارهما مصدر السلام النفسي وباب الهروب من كل هذه الضغوط والأخبار المحبطة.

ميريام فارس في لقطة من فيلم الرحلة

مع فنانة غير ميريام فارس صادقة فعلا في تفاعلها مع النقاط الثلاث السابقة كلها، أو موهوبة تمثيليا لدرجة تكفي لإقناعنا أنها صادقة فيها، كان من الممكن أن ينجح هذا التتابع.

لكن مع أداء ميريام فارس الضعيف جدا تمثيليا، يصعب أن تقتنع كمتفرج أنها تبكي ومتأثرة لهذه الدرجة فعلا في (1-2) لكنك ستصدق بسهولة أنها مهتمة بالرياضة والرقص والحفاظ على قوامها في (3)!

والنتيجة النهائية لدى المتلقي هى: حالة من النفور من المقطع والفيلم عامة، ومن فنانة توظف كل مأساة لحشو فيلم ضعيف، يصعب أن لا نصنفه إلا باعتباره مجرد دعاية تسويقية لنفسها ولألبومها الجديد غدارة يا دنيا ومحطة للحصول على شيك متضخم من نتفلكس.

يزداد الافلاس الفني والفكري مع المقاطع الخاصة بالحمل، التي خلت من أى لمسات ذكية ومبتكرة.

هل نحتاج فعلا  – مثلا – لمعرفة أن الحمل معناه الاحتياج لملابس أوسع؟ وهل قدم الفيلم هذه الملاحظة بشكل مرح أو منعش، يُعوض تكرار المضمون؟

إجمالا فشلت كل المحاولات في خلق أى تفاعل بيننا وبين رحلة ميريام فارس الشخصية، أو خلق ترابط بين حياتها وحياة الآخرين، وغاب عن التجربة ككل عنصر التسلية.

بعض الاتهامات الأخرى للفيلم وبطلته لا أرى لها محلا من الاعراب.

ومنها مثلا اتهام ميريام فارس بالتناقض والازدواجية لأنها تقدم طوال الأحداث تفاصيل حملها والمنزل الذي تعيش فيه وخلافه، بينما تفرض سرية تامة على هوية زوجها وطفلها، ونشاهد الاثنين طوال الفيلم من زوايا تحجب ملامح الوجه.

صور تلخص الطريقة التي تفضلها ميريام فارس لظهور أسرتها

رأيي أن ميريام فارس اختارت أن تكون مشهورة ومحط أنظار الجمهور، ومن حق زوجها أن يختار العكس لحياته. ومن حق كليهما أيضا – أو ربما من واجبه – ألا يورط طفلا في حياة الشهرة وعالم أخبار الفن والمشاهير، قبل أن ينضج ويتخذ هو بنفسه قراره في هذا الشأن.

اذا ابتعدنا عن ميريام فارس يبقى السؤال: ما الذي تريده نتفلكس بالضبط من هذا الفيلم؟ وكيف يمكننا أن نفسر دلالات هذا الاختيار، بخصوص المحتوى العربي الذي تنوي المنصة تسويقه وإنتاجه في السنوات القادمة؟

قراءة في قائمة أنجح 10 أفلام من إنتاج نتفليكس | حاتم منصور

الأعمال العربية التي قدمتها المنصة سابقا تحمل عناصر تستحق الاشادة والتشجيع مهما كانت سلبياتها، ومنها مثلا مسلسل ما وراء الطبيعة الذي أنتجته اقتباسا من روايات الأديب المصري أحمد خالد توفيق.

الأن مع فيلم متواضع كهذا لميريام فارس، يمكننا أن نتساءل بقلق عن مستوى العمل الفني القادم الذي ستنتجه نتفلكس لعمرو دياب، وأن نتشكك في قدرة هذه المنصة العملاقة عامة على السباحة خارج التيار.

تملك نتفلكس بحكم كونها شركة أمريكية الأصل، وعالمية الإنتاج والنشاط اليوم، مساحة حرية إبداعية وفكرية غير متوفرة في منطقتنا العربية، بسبب كمية الضوابط والقوانين الرقابية، وقائمة الخطوط الحمراء الطويلة المهيمنة على الوعى العام في مجتمعاتنا.

وما نحتاجه من نتفلكس ربما أكثر من أى شىء آخر، وتحتاجه هى أيضا لتصبح متفردة من حيث المحتوى، مقارنة بجهاتنا الإنتاجية وقنواتنا الفضائية، أن تهتم كمنصة باستغلال هذه المساحة، لتقدم للجمهور العربي ما لا يوجد في منافسيها.

صحيح أنها منصة تعاني في المقابل من ضوابط وحساسيات رقابية أخرى مثل الصوابية السياسية، وضغوط الأجندات النسوية، لكن هذا لا ينفي عنها الجودة والأهمية إجمالا.

قد يبرر البعض الأمر بوجود محتوى عالمي مماثل لبرامج تليفزيون الواقع، وهى حجة يمكن تفهمها عندما يتواجد عمل كهذا وسط مكتبة عملاقة تضم مئات الأنواع الأخرى. لكن اهتمام نتفلكس به ليصبح ضمن أولى تجاربها العربية مسألة تثير التساؤلات.

الاحتمال المرعب الآخر الذي أتعشم أن يكون خطأ، هو أن نتفلكس درست السوق العربي وتفهم احتياجاته ومزاجه أفضل منا، وأنها تعلم أن الطريق الوحيد لزيادة عدد المشتركين لديها في منطقتنا هو تقديم نفس الهراء المتواضع فنيا وفكريا، المنتشر في فضائياتنا.

بيدوفيليا وازدراء أديان | سبع أعمال أثارت غضب ملايين ضد نتفليكس | حاتم منصور

أى الطرق ستسلك المنصة الشهيرة إذا؟

السنوات والأعمال القادمة وحدها ستخبرنا بالإجابة، وسنعرف خلالها بشكل أكثر دقة ما هى أهداف وتفضيلات نتفلكس في محتواها العربي. لكن حتى ذلك الحين يستحيل تصنيف رحلة ميريام فارس وفيلمها كعمل مهم أو مُبشر.

ويستحيل أيضا تصنيفه كعمل غير مفيد لنتفلكس دعائيا وتسويقيا. والدليل أن الجدل حوله اكتسح السوشيال ميديا، وأنك اهتممت أن تقرأ هذا المقال على ضوء عنوانه.

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك