جني سقراط | هل كان فيلسوف الغرب الأشهر نبيًا أم مريضًا بالوسواس القهري؟ | مصطفى ماهر

جني سقراط | هل كان فيلسوف الغرب الأشهر نبيًا أم مريضًا بالوسواس القهري؟ | مصطفى ماهر

1 Nov 2021
عباقرة الفلسفة
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

في محاورات أفلاطون – الشهادة الأشهر عن حياة سقراط وأقواله – أوصاف تثير تساؤلات عن الفيلسوف الغامض.

  • “يقف لساعات بلا حركة كأنه يتأمل أو يخاطب شيئًا داخليًا”.
  • يتوقف في منتصف الطريق تاركًا أصدقاءه غارقًا في تأملاته، ولا يُكمل سيره”!

في محاورة الدفاع الشهيرة، يعلق سقراط نفسه على الحالة:

«سمعتموني كثيرًا أشير لأصوات داخلية وعلامات تأتي إليَّ. نعم، معي منذ طفولتي، وهذا الصوت يمنعني دائمًا من القيام ببعض الأشياء، لكنه لم يأمرني أبدًا بفعل شيء» 

هذه الحالة التي عرفت بـ “جني سقراط” خضعت لعديد من التأويلات، بينها طرح اعتبرها دليل نبوته.

فهل كان سقراط فيلسوفًا أم نبيًا؟

وما سر الصوت الداخلي؟

هل كان حقًا وحيًا إلهيًا؟

لوحة "جني سقراط" 

لوحة “جني سقراط”

غرابة سقراط 

يتفق أغلب مؤرخي الفلسفة على غرابة سقراط:

  • فقير يهيم في طرقات أثينا حافي القدمين، بمظهر عادي لا يشبه أحدًا من فلاسفة عصره الذين اهتموا كثيرًا بمظهرهم.
  • ملامح قاسية: أفطس الأنف، غليظ الشفتين، غائر العينين.
  •  شاغله الأكبر الأحاديث التي يديرها يوميًا في الأسواق.
  • دفع حياته ثمنًا ليتسق مع مبادئه للنهاية.

تلك الحالة أغرت بوصفه بالزاهد المنعزل، الرافض لتقاليد الحياة الإجتماعية في وقته.

لكنه لم يحيا متوحدًا، بل سعى للحياة مع الناس ومن أجل الناس. يحمل الرسالة التي يراها أثمن ما تعلمه في حياته “السيطرة على النفس”.

هذا يزيد تعقيد المسألة؛ فالسيطرة على النفس هدف مشترك بين الدين والفلسفة.

لكن فارقًا وحيدًا قد يساعدنا على فهم حالة سقراط الغامضة: كيفية وصول كل منهما إلى هدفه.

الفرق بين الفلسفة والدين

النبي والفيلسوف
Infogram

 

صحيح أن الفيلسوف يهتم بإذاعة خلاصة بحثه شفهيًا أو كتابة، كما يفعل الأنبياء، لكنه لا يقدم أفكاره عن العالم والإله والأخلاق كرسالة إلهية منزلة، بل مجهود إنساني عن سؤال الحقيقة.

ماذا امتلك نجيب محفوظ وافتقده الكتاب من بعده؟ الفلسفة .. قادته إلى جائزة نوبل | الحكاية في دقائق

سقراط: الأب الروحي للفلسفة العقلانية 

سُئل سقراط عن سر حكمته التي أشادت بها كاهنة معبد دلفي في واقعة كانت سبب شهرته، فقال:

«إني لا أعرف إلاّ أمرًا واحدًا.  أنني لا أعرف شيئًا» 

قد يُفهم من العبارة أن الفيلسوف الشهير يُظهر التواضع، وهي صفة حقيقية فيه، لكن معناها أكثر عمقًا..

لم يكن سقراط جاهلًا؛ فمحاورات أفلاطون ترسمه عقلًا قادرًا على مناقشة أذكى فلاسفة عصره في مسائل فلسفية بالغة التعقيد.

أصل العبارة أن سقراط لم يقتنع بكل الأفكار الفلسفية في عصره، لدرجة أنه لم يعد يملك معرفة يقينية عن شيء. لكنه لم يكف عن البحث عن إجابات اعتمادًا على عقله، وعلى حواره الدائم مع السوفسطائيين – حكماء أثينا حينها؛ أي أنه مؤمن بوجود الحقيقة وقدرة العقل على الوصول إليها. لكنه لم يصل إليها بعد.

وإن كانت المسائل الفلسفية المعقدة عن الإله والطبيعة عصية على عقله، فإن الإنسان عنده يملك ميلًا طبيعيًا تجاه الخير. ذلك الميل هو أساس كل الأفعال الأخلاقية: الشجاعة، الحب، الحق، الجمال.

جاهد الفيلسوف الشهير ليصل لمعانٍ يقينية عن تلك المسميات الكبرى، لكنه لم يكن حاسمًا في كل إجاباته عنها. إذ ارتكز منهجه على إثارة التساؤلات؛ فرغم ميل النفس للخير، لكنها محكوم عليها بالجهل، فقد تظن الشر خيرًا، والباطل حقًا، والقبح جمالًا.

مع ذلك، راهن حتى آخر لحظات حياته على قدرة العقل على الوصول إلى الحقيقة. دون أن يصرح مرةً أنه امتلك الحقيقة المطلقة، أو أن أفكاره إلهية. بل كانت حياته تجسيدًا للفيلسوف الذي يبحث ويشك ويناقش.

ماذا عن جني سقراط إذن؟ 

إن كان سقراط مثالًا للفيلسوف، فكيف يمكن تفسير “جني سقراط” الذي وصفه بـ “أصوات تمنعه من أشياء لكنها لا تحرضه على فعل شيء”؟. 

من الصعب وصف الحالة بوحي إلهي؛ فتجربة الوحي – كما وصفها الأنبياء – لم تتوقف عند المنع.

وعلى عكس التجليات الإلهية الخارقة للطبيعة، فإن جني سقراط لم يكن كائنًا ماديًا أو روحيًا يلاحظه. بل يقول إنه علامة شبيهة بالصوت.

هل ما وصفه يقترب أكثر من فكرة “الضمير”؟ المشكلة أن الضمير يتدخل فقط في الأفعال الأخلاقية، لكن أفلاطون ذكر أن “جني سقراط” منعه مرة من مغادرة غرفة تغيير الملابس! 

تفسير نيتشه

في كل المرات التي ظهرت فيها علامة جني سقراط كان يعبر عن عدم الارتياح أو القلق النفسي تجاه أمر ما.

ظل التفسير الشائع في التراث الفلسفي أن جني سقراط انعكاس لضميره وحواره الدائم مع نفسه، حتى تناولها الفيلسوف الألماني نيتشه بشكل نقدي مختلف؛

إذ فسر جني سقراط كتعبير عن اضطراب عقلي (ذُهاني – psychotic) يسبب نوع من “الهلوسة السمعية”، وأن مكانته في تاريخ الفلسفة منعت تقبل فكرة أنه كان مصابًا بهلوسات.

نيتشه

نيتشه

تفسير نيتشه مهم. لكنه لم يكن دقيقًا كفاية؛ لأن سقراط لم يعتقد أبدًا أنه كان يسمع أصواتًا تجعله على اتصال مع أشخاص غير موجودين.

لذلك، فالأدق أن يوصف هذا الاضطراب بالعُصابي وليس الذُهاني.

والفارق أن الأمراض الذُهانية تسبب انفصالًا كاملًا أو جزئيًا عن الواقع، مثل الفصام واضطراب ثنائي القطب، أما الأمراض العُصابية فهي أقل حدة وتسبب نوعًا من الضيق والتردد وأحيانًا الاكتئاب، لكنها لا تفقد الإنسان إحساسه بالواقع، وأشهرها: اضطراب ما بعد الصدمة، والوسواس القهري.

هل كان جني سقراط وسواسًا قهريًا؟

من دراسة حالته في محاورات أفلاطون، نرى أن جني سقراط لم يكن إلا “مرض الوسواس القهري”.

عالم النفس الشهير “فرويد” أوضح أعراضه التي تنطبق بشكل كبير على حالة سقراط:

1- يظهر في شكل سلطة دون توضيح الأسباب. ويشعر المريض بوجوب طاعتها.

2- من يمر بتلك الحالة من الإكراه، يحاول تبريرها بعد وقوعها، وهو ما كان يفعله سقراط دائمًا.

3- الوسواس القهري يصاحبه دائمًا هوس كامل بالأخلاقيات، وهي حالة سقراط في الواقع.

4- يتخذ في الغالب غلافًا دينيًا (وصفه سقراط بالجني).

بالطبع، لا يبخس هذا التفسير النفسي شيئًا من قيمة سقراط الفيلسوف؛ لأن الجوانب النفسية المضطربة جزء من الطبيعة الإنسانية في العموم.

والأهم أن ميراثه الحقيقي لمن خلفوه هي مناقشاته العقلانية وبحثه عن الحقيقة وتقديره لقيمة الخير والإنسان، هذا ما بقي من سقراط،  بينما لم يبق شيء من جني سقراط ليثير فينا الفزع!


المراجع: 

1- جني سقراط (Springer)

2- تاريخ الفلسفة، إميل برييه، الجزء الأول

3- سقراط ( ستانفورد)

4- تاريخ الشك، جينيفر مايكل هيكت


 

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك